محمد سعيد رمضان البوطي
110
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
العقل من المعجزات وخوارق العادات ، كي يتم لهم إنشاء صورة جديدة للنبي صلّى اللّه عليه وسلم في أذهان المسلمين مع مرور الزمن ، قد تكون صورة ( محمد العبقري ) أو تكون صورة ( محمد القائد ) أو تكون صورة ( محمد البطل ) ولكنها لا ينبغي أن تكون على أي حال من الأحوال صورة ( محمد النبي والرسول ) إذ تكون جميع حقائق النبوة بما يحف بها ويستلزمها من وحي . . وغيبيات وخوارق ، قد قذف بها - بعامل هذا الترويج لألقاب العبقرية والبطولة البعيدين عن المعجزات والخوارق - إلى عالم ما يسمونه : الميثيولوجيا ( الأساطير ) ذلك لأن ظاهرة الوحي والنبوة تعتبران في رأس المعجزات . وحينئذ لا ينبغي أن يتصور - بطبيعة الحال - أي سبب لتكاثر مختلف الناس والأمم من حول الرسول وانضوائهم تحت لوائه وانسياقهم في دعوته ، إلا التأثر بعبقريته ومقومات القيادة في حياته . وانظر ! . . فإن هذا القصد الذي يهدفون إليه يتجلى واضحا في إشاعة كلمة ( محمديين ) كتسمية جديدة بدلا عن : مسلمين . ولكن ما هو موقع هذا التخيّل والتّصور من حقيقة أمر محمد صلّى اللّه عليه وسلم وشأنه ، إذا ما حاولنا استجلاء الحقيقة على ضوء البحث المنطقي والموضوعي ؟ أولا : إذا عدنا إلى التأمل في ظاهرة الوحي التي تجلت واضحة في حياته عليه الصلاة والسلام ( وقد مرّ البحث فيها بتفصيل واف ) رأينا أن أبرز صفة في حياته عليه الصلاة والسلام هي ( النّبوة ) لا شك في ذلك ولا ريب ، والنّبوة هي من المعاني الغيبية التي لا تخضع لمقاييسنا المحسوسة وإذن فإن معنى المعجزة الخارقة قائم في أصل كيانه عليه الصلاة والسلام . فلا يتسنى نفي المعجزات والخوارق عنه صلّى اللّه عليه وسلم إلا بهدم معنى النّبوّة نفسها ونسخها من حياته ، وذلك يساوي بالبداهة إنكار الدين نفسه . ولئن لم يصرح بهذه النتيجة بعض الباحثين من المستشرقين ، مكتفين ببيان ذكاء الرسول ومدى عبقريته وشجاعته وسياسته للأمور ، فذلك اكتفاء منهم برسم المقدمات عن بيان النتائج ، إذ النتيجة تأتي بطبيعتها بعد التسليم بمقدماتها . على أن كثيرين صرّحوا بالنتيجة ، بعد أن ضاقت بها صدورهم ، مثل شبلي شميل حينما سمى الإيمان بالدين إيمانا بالمعجزة المستحيلة « 24 » ! . . وأنت خبير أنه لا معنى للبحث في إنكار جزئيات المعجزات أو إثباتها ، إذا كان أصل الدين محل شك أو إنكار . ثانيا : إذا تأملنا في سيرته صلّى اللّه عليه وسلم ووقائع حياته ، وجدنا أن اللّه سبحانه وتعالى أجرى
--> ( 24 ) يذكر الدكتور شبلي شميل هذا الكلام في مقدمته لتعريب كتاب ( بوكنز ) في شرح مذهب داروين عن نظرية النشوء والارتقاء .